أخر تحديث :السبت,30 اغسطس , 6:17

الربيع العربي: من الإسلام السياسي إلى العلمانية الإسلامية

27-10-2011 | 14:05
طباعه
أحمد الطرس العرامي

الإسلام السياسي والغرب

ثمة جدل في الفكر الإسلامي الحديث حول الحكم أو (الحاكمية) والسياسة والمبادئ العالمية المشتركة، منذ أبي علي المودودي وعلي عبدالرزاق ومحمد عبده ورشيد رضا ومالك بن نبي ومحمد إقبال، وحتى راشد الغنوشي، وقد دارت نقاشات هؤلاء وغيرهم حول الإسلام وإدارة شئون الدولة وجدل الديمقراطية والشورى، ومن ثم ما يتعلق بالنظرة إلى الكون والحياة والإنسان، وسؤال الهوية الإسلامية وسؤال الحقوق والحريات، مما له انعكاساته على العلاقات الإنسانية والدولية وعلاقة المسلمين بغيرهم، خصوصاً في القرن العشرين، وتشكل عالم جديد ودخول البشرية مرحلة تاريخية جديدة، إذ يرى بعضهم أنه بينما كاد العالم يتفق على "أخلاقيات عالمية مشتركة" ظل الإسلام في حالة من القطيعة مع العالم، وظل لدى المسلمين رؤيتهم الخاصة في الحكم والسياسية التي بدأ معها أن الأصل الفقهي/ أو التشريعي لدى المسلمين المرجعية الأولى في كثير من أمور الحياة، وربما كان هذا أحد أسباب القطيعة مع الغرب أو نقاط الافتراق معهم ومع نظام "العلمانية" وعدم تقبل "المبادئ المشتركة" التي تجلت في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" أو في ظهور مؤسسات عالمية مثل (الأمم المتحدة، ومجلس الأمن...) لقد انضمت إليها الدول العربية، وتقبلتها الأنظمة، لكن ما لا يمكن مداراته هو أنه ظل لدى المسلمين إحساس بالظلم من قبل المؤسسات العالمية التي تدعي أنها تجسد مبادئ الحرية والعدالة والقيم المشتركة، مثل مجلس الأمن وقراراته الجائرة إزاء العرب وأطماع العالم في الثروات العربية، الأمر الذي عزز الفجوة بين المسلمين والعالم (وقيمة العالمية المشتركة)، لقد (كان النقد الأول الموجه للمؤسسات الدولية الجديدة من جانب العرب القول أنها تكيل بمكيالين، وبازدواجية المعايير، وتفتقر للعدالة مقياساً وإنفاذاً، فالقرارات جائرة، وهى أيضاً لا تنفذ بحيث يصبح الأمر ظلماً خالصاً. ثم جاء الوجه الآخر للنقد، نقد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالقول بالقطيعة أو أنه ليست هناك قيم إنسانية مشتركة أو عالميةً بين المسلمين والعالم. إذ قال هؤلاء النقاد إن الإعلان العالمي يؤسس مبادئه على "الحق الطبيعي" للإنسان، والإسلام يعتبر ذلك تأليها له، ويرى أن تلك الحقوق إنما هى تفضل من الله عز وجل، وتكليف، ولا علاقة لها بطبيعة الإنسان) .

ولهذا فقد انطبعت علاقة الغرب بالإسلام بنوع من الحساسية ما لبث بعض المفكرين أن تمثلها أو مثل رؤية الغرب للإسلام كما فعل هنتجتون حين تحدث قائلاً: (أينما وجهت نظرك في أقطار الإسلام، يعاني المسلمون من مشاكل في التعايش مع جيرانهم) ، وما لبث تيار إسلامي مثل(القاعدة) أن عكس تلك الصورة عن الإسلام، من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي مثلت أحد أهم الأسباب التي غيرت النظرة إلى الإسلام، على أن الولايات المتحدة كانت تدرك أو عبرت عن وعي يدرك بأن هذا التيار ليس الإسلام نفسه، ولهذا تحدث بوش في خطابه الذي عقب تلك الأحداث عن (إنقاذ الإسلام من مختطفيه) إلا أن اعتقادا كان سائداً أن مبادئاً وقيماً يتفق عليها المسلمون يرى الغرب أنها تشكل خطراً عليهم، وتجعل من التعايش مع المسلمين صعباً في ظل كون الهوية لدى "أكثرية المسلمين" هوية دينية بالدرجة الأولى، كما أن هناك تحفظاً إسلامياً على كثير من المبادئ العالمية، وفي المقابل تحفظاً غربياً على بعض المبادئ الإسلامية مثل (الجهاد، ومكانة المرأة، والتعايش السلمي)، ولهذا وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يتوقف الأمر عند الحرب المباشرة على الإرهاب التي أصبحت من أولويات الولايات المتحدة ومن ثم الغرب ومعظم دول العالم، بل تعداه إلى اتجاه آخر مختلف يطلق عليه معتز الخطيب "حرب الأفكار"، وهذا الاتجاه يسعى للتخلص من "الإرهاب" من خلال ردم المنابع الفكرية/ الدينية التي تغذيه ليس من خلال الحرب على الإسلام كدين وإنما على (التطرف الإسلامي) بوصفه وفقاً لبيرل وفروم:(ليس ديانة بل أيديولوجية يجب مواجهتها من خلال حرب مختلفة للتعامل مع القيم والمبادئ التي ينادي بها) ...وهو ما أفضى إلى ولادة توجه غربي يرمي إلى (محاولة تحديث الإسلام) بحيث يكون هذا التحديث من داخل الإسلام نفسه متمثلاً في عملية إصلاح ديني تمس بشكل مباشر مناطق التوتر بين الغرب والإسلام، ومن أهم هذه المناطق (الجهاد، وضع المرأة، والتعايش السلمي).

لقد أبدت الولايات المتحدة ومعها الغرب حتى قبل "الربيع العربي" ميلاً نحو التعامل مع التيارات الإسلامية المعتدلة التي تمثل الإسلام السياسي، وأصبحت تفرق بين الجناحين المتشدد والمعتدل داخل هذه التيارات، وعقدت العزم على دعم "التيارات الإسلامية المعتدلة"، كتب "معتز الخطيب" في عام 2005م، عن هذه الرغبة قائلاً: (الإصلاح الديني في هذا المنظور يتلخص في "تحديث الإسلام" لحل إشكالية "الإسلاموفوبيا" والإرهاب الإسلامي، وتحقيق الإصلاح السياسي وفق معادلة جديدة تخرج عن دعم الأنظمة الاستبدادية مقابل "الاستقرار" وتأمين المصالح، لأن هذه الأنظمة لم تعد قادرة على منح هذا "الاستقرار". وهنا تتم قراءة تحولات المشهد السياسي، والانتخابات الديمقراطية التي أدت إلى صعود أحزاب إسلامية "معتدلة" في عدد من دول الشرق الأوسط (أبرزها تركيا، والمغرب، والبحرين، والاحتفاء بإصلاحيي إيران)، والتي ورد الثناء عليها وعلى ديمقراطياتها في خطابات بوش وباول وهاس.)

ومصطلح الإسلام السياسي مصطلح أمريكي أساساً ظهر بعد الثورة الإيرانية كما يفيد بذلك تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" الذي حاول أيضاً أن يصنف التيارات الإسلامية السنية إلى ثلاثة تيارات هى: التوجه الإسلامي السياسي، التوجه التبشيري(الدعوة)، التوجه "الجهادي"، والتوجه الأول (يشتمل على حركات تعطي الأولوية للعمل السياسي على الخطاب الديني والسعي للسلطة بواسطة وسائل سياسية وليس بالعنف، وبشكل خاص تنظيم أنفسهم كأحزاب سياسية، والمثال الرئيسى هو الإخوان المسلمون" في مصر وفروعهم المختلفة وخاصة الأردن والجزائر).... بل إن عدداً من تقارير لمراكز أبحاث ومؤسسات وجهات أوروبية وأمريكية عن التيارات الإسلامية يكاد يلتقي معظمها في أن تيار الإسلام السياسي (المعتدل) يجب أن ينظر إليه بنظرة مختلفة عن (الإسلام المتطرف) وبالتالي يجب دعمه والتعامل معه، ومن بين هذه التقارير تقرير معهد كانيجي الذي يخلص إلى (أن الحركات الإسلامية المعتدلة، وليس الراديكالية هى التي سيكون لها أعظم الأثر على التطور السياسي المستقبلي في الشرق الأوسط، ويعرفها بأنها تلك الجماعات التي تخلت عن العنف أو نبذته رسمياً وتسعى إلى تحقيق أهدافها من خلال نشاطات سياسية سلمية، ومن أهمها حركة الإخوان المسلمين بفروعها وحزب العدالة والتنمية المغربي، وجبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحزب الإصلاح في اليمن وغيرها) .

الإسلام السياسي والربيع العربي

لكن السياسة الغربية والأمريكية ظلت تعتمد على الأنظمة العربية الحليفة في تحقيق سياستها وإدارة مصالحها في المنطقة، وربما كانت بحاجة إلى مفاجأة مثل "الربيع العربي" ليتعمق إحساسها بضرورة تغيير سياساتها تجاه العرب والمسلمين، لقد عبرت كثير من التصريحات السياسية الغربية عن رغبتها في تغيير سياساتها تجاه الشرق الأوسط وفق معطيات جديدة خلقتها الثورات التي تكاد تجتاح المنطقة وتكاد تغير خارطتها السياسية والاجتماعية، ولعل هذا التحول المفاجئ الذي كان لا بد منه قد يلتقي مع المصالح الغربية والأمريكية لكن مواقفها السياسة في البداية عكست تخوفها من الجماعات الإسلامية أو بالأصح من الأجنحة المتشددة داخل هذه التيارات...التي ظهرت خلال (ثورات الربيع العربي) قوية ومنظمة بامتياز إلى الحد الذي يجعلها مرشحة بقوة لاستلام السلطة سواءً في (الفترة الانتقالية) وهو ما جعل مسألة الاطمئنان إلى ذلك تشغل بال الولايات المتحدة والغرب، أو حتى بعد (الفترة الانتقالية) فيما لو حدثت عملية ديمقراطية (عادلة) من الطبيعي جداً أن تكسبها (وهو ما قد يضع الغرب وأمريكا أمام مأزق مثل المأزق الذي حصل بشأن حماس في فلسطين، الأمر الذي يمثل مشكلة بالنسبة للغرب والولايات المتحدة، ولذا رأينا مخاوف أمريكا تطفو على السطح في ما يتعلق بمصر واليمن وليبيا من أن يحدث ذلك الأمر وإن اختلف تعبيرها عنه أو طريقتها في التعامل معه أو العمل على ضمان عدم حدوث ذلك، ولعلّ لهذا علاقة كبيرة في الحد من التحولات السياسية في هذه البلدان أو كبح جماحها أو التخفيف من سرعتها، ومهما كان الأمر فإن من صالح الغرب أن تسير الأمور ببطء على الأقل إلى أن يتم تحديث هذا التيار/التيارات الدينية....أو إلى أن يُطمأن إلى إمكانية توافقها مع الرؤى الغربية، رغم أن الموقف الكلي قد تغير تماماً وعبرت كثير من الأحداث والتطورات أثناء الربيع العربي عن هذا التغيير.

ما الذي حدث خلال الربيع العربي؟؟ لقد بدت أمريكا وكأنها تصفي حساباتها مع القاعدة مما يشي بوجود رغبة في إقفال ملف (القاعدة) والحرب المباشرة على الإرهاب، انعكست هذه الرغبة في عدد من الأحداث التي أعقبت انطلاق شرارة "الربيع العربي" منها (اغتيال أسامة بن لادن، وأنور العولقي، ومحاكمة المتسبب في تفجير كول، وعمر النيجيري) وإن لم يكن ذلك يعني إقفال ملف "التطرف الإسلامي" بقدر ما يبدو أشبه بمحاولة تفرغ للاتجاه الثاني (حرب الأفكار)، وقد يسميه أوباما (التفرغ لبناء الداخل) لكن ما يبدو جلياً هو أن ثورات الربيع العربي قد عمقت الإحساس بوجوب تغيير طرق التعامل مع العرب والمسلمين والتيارات الإسلامية، ومن ثم الرغبة في "تحديث الإسلام من الداخل" لكن سؤالاً مهماً يتجلى للعيان في مثل هذا الأمر ويمكن أن يتلخص في: ما مدى قابلية هذه التيارات/التيار لمسألة التحديث من الداخل؟؟ من الواضح أنه خلال "الربيع العربي" وبقدر ما أبداه تيار مهم مثل "الإخوان المسلمين" من قوة وتماسك وتنظيم وطموح سياسي مما يمكن أن يكون قد أثار مخاوف أمريكا، أبدا – الإخوان المسلمين- في الآن نفسه مرونة غير عادية تنبئ عن إمكانية انسجام التنظيم مع مبادئ الديمقراطية والمدنية، وقابليته لنبذ التطرف (الإرهاب، وثقافة الجهاد) خصوصاً من خلال التزامه بالنضال السلمي، ومن خلال دور المرأة/ الإخوانية في الشراكة مع الرجل، وظهور مؤشرات مهمة على إمكانية تماشيه مع متغيرات العالم من حوله وإن ببطء...وهذا ما أثبته التيار من خلال لجوئه إلى الحوار بين الحين والآخر، والالتزام بالطرق السلمية، وتخليه عن الخطاب الديني وإحلال الخطاب المدني الديمقراطي محله، وغيرها من الأمور التي عبرت عن مرونته، وأثبتت قابليته للتغيير، وإمكانية انسجامه مع التصورات الغربية، وهو ما جعل الأمل يصبح كبيراً جداً في قابلية التيار للتغيير، بل إنه بدا أكثر النماذج قابلية لتمثيل ما يسمى بـ(الإسلام السياسي)، ومن هنا لامسنا تغيراً مماثلاً في الموقف الأمريكي الأوروبي، فمن تخوف في البداية بالنسبة لمصر واليمن مثلاً إلى تصريحات تفيد بأنه لا مشكلة في أن يحكم "الإخوان المسلمين".ويمكن أن ندخل في هذا الإطار فوز شخصية مثل "توكل كرمان بجائزة نوبل للسلام" الذي(يجب أن ينظر إليه كإشارة على أن الإسلام والمرأة يلعبان أدواراً مهمة في الأحداث التي أطلق عليها «الربيع العربي»....) وفقاً لرئيس لجنة جائزة نوبل في تصريح لوكالة أسوشييتد برس. أو ما قاله"توربيورن ياجلاند لرويترز-وهو رئيس وزراء نرويجي سابق-(إن كرمان تظهر أن المسلمات لسن تهديدا للديمقراطية.)

من العولمة إلى العلمانية

وإذا ما توقفنا عند الخلفية الفكرية لفكرة "تحديث الإسلام" سنجد أنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بالعولمة التي تفرض نمطاً من الحياة مختلفاً تماما يحتم على الناس أن يقتربوا من بعض أكثر من ذي قبل فتتجاور الأديان والجنسيات والهويات والأعراق وتحتك مع بعضها البعض، الأمر الذي يستدعي وجود أخلاقيات عالمية متماثلة أو ما يطلق عليه "بالقيم العالمية المشتركة" والتي تضمنها (الإعلان العالمي الصادر عام 1993م: "نحو أخلاق عالمية" والذي صاغه الفيلسوف السويسري هانز كينغ، ووقعه مائتا باحث ولاهوتي في مؤتمر عالمي للأديان بشيكاغو 1993م.) ووفقاً لبومر فإن هذه الوثيقة (تحمل في طياتها هدف التعبير عن قيم مشتركة يمكن حتى للأشخاص غير المتدينين اعتناقها كقيم شرعية ومناسبة للبشر. وهى مبنية على المطالب الأساسية لاثنتين من التعاليم الدينية موجودتين في الديانات المقدسة في العالم. الأولى منها هو أن "كل إنسان يجب أن يعامل بإنسانية" والثانية وهى القاعدة الذهبية" ما لا ترغب أن يعاملك به الناس لا تعامل به الآخرين" –أي عامل الناس كما تحب أن تعامل- ويقود هذان المبدأن إلى أربعة موجهات أخلاقية:

.التزام بثقافة اللاعنف واحترام الحياة.

.التزام بثقافة التضامن والتكامل ونظام اقتصادي عادل.

.التزام بثقافة التسامح وحياة الصدق والأمانة.

.التزام بثقافة المساواة في الحقوق والشراكة بين الرجل والمرأة).

ويمكن ملاحظة إلى أي مدى تقترب هذه المبادئ أو الموجهات الأخلاقية من مناطق التوتر بين الغرب والإسلام (المرأة، الجهاد، التعايش السلمي) ويمكن ملاحظة أيضاً بروز بعض الأحداث أو القضايا التي يمكن قراءتها ضمن هذا السياق خصوصاً فيما يتعلق بالأقليات الدينية في بلدان الثورات العربية (الأقباط في مصر)، (واليهود في تونس)، ومن ثم حضور مثل هذه المبادئ (السلمية، الحقوق، الحريات) وتغلغلها داخل كثير من الخطابات السياسية والثقافية على اختلافها....ويمكن أيضاً في هذا السياق فهم الدعوات المنادية ب(الدولة المدنية) خلال الربيع العربي وتزامنها مع عودة النقاش حول (العلمانية) مرةً أخرى، ورغم ما قد يبدو من القرابة بين كل من الدولة المدنية والعلمانية إلا أن ثمة فروقاً بينهما يوضحها الروائي اليمني: حبيب عبدالرب السروري في مقالٍ له (ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟نشرته القدس العربي بتاريخ 1أكتوبر 2011م.) مع العمل في الاعتبار أنه بعكس مفهوم (العلمانية) مازال مفهوم (الدولة المدنية) في طور التشكل نظراً لكونه (انبثق مع الثورات العربية واكتسب أهميةً متصاعدة بعد أول انتصاراتها) وفقا لحبيب عبدالرب، ومن هنا فإنه ما زال ينمو يوماً بعد يوم وتتضح سماته تدريجيا (إلى الدرجة الذي يمكن القول معها أنه يتجه إلى الالتقاء بالعلمانية أو كما يسميها راشد الغنوشي العلمانية الإسلامية) إذ ما زال يكتسب أبعاداً جديداً ويتلقى تأثيرات من هنا وهناك، على أن هذا المفهوم (الدولة المدنية) ليس مفهوما جديداً كل الجدة، فمن يرجع إلى بعض الكتابات في الفكر الإسلامي والأطروحات التي سبقت الربيع العربي سيجد أن جدل الدولة المدنية، والدولة الدينية، والدولة العلمانية، كان قد شغل مساحة من نقاشات الفكر الإسلامي والسياسي، ومثلما كان مصطلح (العلمانية) قد اكتسب حساسية وسوء استقبال وصار من الصعب تقبله لدى المجتمع ولدى التيارات الدينية بالذات، فقد اكتسب مصطلح "الدولة الدينية" حساسية مشابهة أو مقاربة لدى التيارات العلمانية والليبرالية، وهو الأمر الذي يتجلى في الربيع العربي أيضاً، مما يجعل من مصطلح الدولة المدنية أشبه بالحل السحري، وإن كان مفهوم الدولة المدنية مازال غامضاً حتى لدى النخب المثقفة، إلا أن من الواضح أن الدولة المدنية تقوم على أساس ديني، وهذا ما يجعلها تلقى قبولاً لدى التيار الديني، لكنها في الوقت نفسه تضمن الحريات والحقوق والتعايش السلمي وحق الاختيار وممارسة القناعات، وحرية الرأي والاتجاه، وهذا قد يخفف (على الأقل) من حدة الصراع بينها وبين التيارات الحداثية والليبرالية والعلمانية...بل إن من أهم ما يلاحظ خلال الربيع العربي أن الدولة المدنية قد التقى في الدعوة إليها كل من "التيار الإسلامي المعتدل" والنخب "الليبرالية والحداثية" مع تمسك التيارات المتشددة بالدولة الدينية "الخلافة الإسلامية" وتمسك بعض الأصوات العلمانية بالدولة العلمانية.

إن كون الدولة المدنية على أساس ديني (إسلامي) هو الأمر الذي يمكن أن يمنحها القبول في مجتمع إسلامي هويته إسلامية أساساً، لقد قال أردوغان في زيارته لتونس متحدثاً عن العلمانية (في ما يتعلق بموضوع العلمانية؛ إنها ليست علمانية على الطريقة الأنجلو ساكسونية أو الغربية. الشخص ليس علمانيا.. الدولة هي العلمانية) ويمكن أن نعد هذا من باب محاولة تحسين سمعة (العلمانية) لكننا نفهم ماذا يعني الغنوشي بالعلمانية الإسلامية حين يرد على أردوغان قائلاً (هو يعبر عن خصوصيات تركية، إذ حاول (أردوغان) أن يوفق بين تأكيده أنه إسلامي وإدارته لدولة علمانية، ولا أعتقد أن المواطن التونسي أو المصري يجد نفسه معنيا بهذا التوفيق لأن دولته - مصر أو تونس - تعرف نفسها بأنها دولة إسلامية) ولا نظن أن هذا يعد خلافاً جوهرياً بينهما حين نعرف أن أردوغان الذي حقق نجاحاً أعاد الأمل لتيار الإسلامي السياسي في كل مكان، والذي بدا موقفه داعماً للثورات العربية، كان قد قاد حزب التنمية والعادلة في تركيا إلى القمة حين قام بتحديثه، ولم يكن قد فعل ذلك كما يرى البعض إلا متأثراً بأفكار المفكر الإسلامي "راشد الغنوشي"، راشد الغنوشي الذي يبدو أنه يقود حزب النهضة في تونس إلى مصير مشابه، ويكفي أن نقرأ له في مقالٍ نشرته صحيفة الغارديان البريطانية قبل انتخابات تونس بأيام: (إن التوفيق بين الديمقراطية والإسلام السياسي هو النظام الأفضل لتونس كونه ضد التمييز والسلطة المطلقة كما أنه يوفر الأدوات والآليات التي تضمن الحريات العامة والخاصة ولعلّ أهمها الانتقال السلمي للسلطة عبر آلية الانتخاب واحترام إرادة الشعب وضمان حقوق المرأة وفصل السلطات واستقلال القضاء وحرية الإعلام والصحافة وضمان حقوق الأقليات وكل هذه الأمور التي لا تتعارض على الإطلاق مع الإسلام بل إنها تعكس المبادئ الإسلامية الخاصة بالتشاور والعدل والمساءلة وهو ما يدركه حزب النهضة تماماً).

(ويضيف الغنوشي أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم القرآن "لا إكراه في الدين" وبالتالي لا يمكن فرض نمط حياة أو أفكار على الناس فحرية الاختيار مكفولة للمواطنين.ومن هنا فإن حزب النهضة يضمن حقوق المرأة وكثيراً ما احتلت المرأة موقع القيادة في الحزب ولذلك نحن نأمل في أن تؤدي الانتخابات إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية قادرة على مواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية).

ويضيف الغنوشي في ظل سؤال مثل: هل ستسمح الأحزاب العلمانية بوجود حكومة ذات توجه إسلامي؟ يرد بأنه (يأمل أن تكون تونس نموذجاً ملهماً للعلمانية الإسلامية من أجل المصلحة العليا للبلاد وهنا يشدد حزب النهضة على طمأنه الجيران الأفارقة والأوربيين ودول العالم بأن تونس ستتعاون مع جيرانها وستدعم الروابط ودعم العلاقات مع الجميع.)

الإسلام السياسي والإصلاح الديني

وإذا كان ثمة من يصف الربيع العربي بأنه ثورة الإخوان المسلمين نظراً لدور الإخوان المسلمين في جميع البلدان التي قامت فيها الثورات من تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، فإن الواقع يقول أن الحركة كانت شريكا في ذلك وهي شريك قوي ومنظم بالتأكيد لكنها لم تكن ثورتها وحدها، بيد أن ما لا يمكن أن تلاحظه الأحكام المتسرعة هو أن حركة الإخوان المسلمين تشهد هي نفسها ثورة خلال الثورة وداخل التنظيم في الوقت نفسه والتي يبدو أن الأجنحة المعتدلة تقودها وبعضها يتهيأ ليقودها، وهي حركة "إصلاح ديني" وتحديث يمس المنظومة الفكرية للحركة ورؤيتها للنشاط الديني السياسي، التي يستدعي الواقع تغييرها، إلا أن أهم ما يمكن توجيهه من نقد لهذه الحركة هو أنها حركة إصلاح ديني ليست نابعة من التيار نفسه بل من الخارج/الغرب (وهذا ما يمكن أن تقوله نظرة سطحية قد تسيء فهم بعض مما طرح في هذا المقال) إلا أن الرؤية يمكن أن تختلف فيما لو لاحظنا أن أكثر من حركة إصلاحية دينية كان قد شهدها الفكر الإسلامي/السياسي على مدى أجيال، إلا أنها لم تتجاوز مسألة التنظير إلى التطبيق، بمعنى أنه لم يتح لها التطبيق أو التجربة الواقعية مثلما هو متاح الآن في ظل الربيع العربي الذي وجدت نفسها الحركة في الواجهة مع متغيرات جديدة ولدت معها القناعة بوجوب التغيير وإحداث عملية تحول في مفهوم (الإسلام والسياسية) استجابة لمتغيرات العصر عموماً، التي تحتم التغيير ليس من أجل تحقيق المصالحة مع الغرب وبناء علاقات ترتكز على المصالح الاقتصادية والسياسية، بل حتى تحقيق المصالحة مع التيارات الليبرالية والعلمانية والحداثية في الداخل، بل حتى العامة من الناس الذين يؤمنون بمقولة (الإسلام دين ودولة) هذه المقولة الإخوانية في الأساس إلا أنهم في نفس الوقت يبدون تخوفاً من نظام يحكمه (الإخوان المسلمين)...

ومن هنا فإن التيار (المعتدل) يجد نفسه أيضاً في مواجهة مع الأجنحة المتشددة داخل الحركة نفسها فعلى غرار ما واجهه تنظيم الإخوان المسلمين من تنديد بدخول الانتخابات من قبل أيمن الظواهري (الذي كان أحد أعضاء التنظيم)، سيكون على حزب الإصلاح في اليمن أو التيار المعتدل داخله مواجهة دعوات مثل دعوات الزنداني إلى "الخلافة الإسلامية"، وسيكون على حزب النهضة في تونس أن يواجه تلك الجماعات المتشددة التي تقول أن الانتخابات كفر، كما أن سؤالاً مثل هذا سيبدو ملحاً: إلى أي مدى ستستفيد الحركة من النظريات الإصلاحية الإسلامية؟؟ كالتي طرحها محمد إقبال على سبيل المثال، والتي تقوم على أن في الإسلام ركنين (ثابت ومتغير، الثابت هو العادات، والمتغير هو المعاملات، ومؤدى هذه النظرية أن الثابت في الإسلام هو الدين الذي يلتزم المؤمن بفرائضه، أما المتغير فهو الحياة الاجتماعية المنظمة بشريعة الإسلام، والشريعة لا تكون ثابتة لأن الحياة تتغير وتستدعي قوانين جديدة لتنظيمها ولذلك قال إقبال بخلود الإسلام ولم يقل بخلود الشريعة، وما يراه إقبال متقررٌ في مجرى التاريخ الفعلي، فالأديان باقية بينما الشرائع تتغير من حولها. ولعل الأسباب التي تفرض بقاء الدين هي نفسها التي تفرض تبديل الشرائع وهي الحياة بمفارقاتها المعقدة التي تخلق لدى الإنسان العادي حاجة مزدوجة إلى حفظ علاقته مع السماء وفي نفس الوقت تغيير التي تنظم علائقه الأرضية)

ومرةً أخرى مثلما كانت ثورة تونس هى الملهمة لثورات الربيع العربي، فإن صعود حزب النهضة الإسلامي سيكون له أثره على حركات الإسلام السياسي في بقية البلدان، التي ولا شك احتفلت واحتفت بفوزه، وابتهجت بإنجازه وكأنها ترى فيه مستقبلها، لكن هل سيتعدى ذلك إلى أن تكون تونس (نموذجاً ملهماً للعلمانية الإسلامية) كما يأمل راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الذي لم يتردد لحظةً واحدة عقب إعلان فوزه مباشرة في التعهد بالعمل على إقامة مجتمع تعددي علماني.؟؟

---------------

عن صحيفة "المصدر " اليمنية

طباعه
رابط مختصر:
أخبار هامة
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المشهد
Designed by CapitalLinkGlobe
Developed by ScriptStars